سيد محمد طنطاوي
291
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
التف بعضها على بعض لكثرتها وقوتها . فقوله * ( غُلْباً ) * بمعنى عظاما ، وأصلها من الغلب بفتحتين - ، بمعنى الغلظ ، يقال شجرة غلباء ، وهضبة غلباء . أي : عظيمة مرتفعة . ويقال : حديقة غلباء ، إذا كانت عظيمة الشجر . ويقال : رجل أغلب ، إذا كان غليظ الرقبة . وأنبتنا فيها - أيضا - بقدرتنا وفضلنا * ( فاكِهَةً وأَبًّا ) * . . . والفاكهة : اسم للثمار التي يتناولها الإنسان على سبيل التفكه والتلذذ ، مثل الرطب والعنب والتفاح . والأب : اسم للكلأ الذي ترعاه الأنعام ، مأخوذ من أبّ فلان الشيء ، إذا قصده واتجه نحوه ، لحاجته إليه . . . والكلأ والعشب يتجه إليه الإنسان بدوابه للرعي . قال صاحب الكشاف : والأب : المرعى ، لأنه يؤب ، أي : يؤم وينتجع . . . وعن أبي بكر الصديق - رضى اللَّه عنه - أنه سئل عن الأب فقال : أي سماء تظلني ، وأي أرض تقلني ، إذا قلت في كتاب اللَّه مالا علم لي به . . . وعن عمر - رضى اللَّه عنه - أنه قرأ هذه الآية فقال : كل هذا قد عرفنا ، فما الأب ؟ ثم رفع عصا كانت في يده وقال : هذا لعمر اللَّه التكلف ، وما عليك يا ابن أم عمر أن لا تدرى ما الأب ؟ ثم قال : اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب ، وما لا فدعوه . فإن قلت : فهذا يشبه النهى عن تتبع معاني القرآن والبحث عن مشكلاته ؟ قلت : لم يذهب إلى ذلك ، ولكن القوم كانت أكبر همتهم عاكفة على العمل ، وكان التشاغل بشيء من العلم لا يعمل به تكلفا عندهم ، فأراد أن الآية مسوقة في الامتنان على الإنسان بمطعمه ، واستدعاء شكره ، وقد علم من فحوى الآية ، أن الأبّ بعض ما أنبته اللَّه للإنسان متاعا له أو لأنعامه فعليك بما هو أهم ، من النهوض بالشكر للَّه - تعالى - على ما تبين لك أو لم يشكل ، مما عدد من نعمه ، ولا تتشاغل عنه بطلب معنى الأب ، ومعرفة النبات الخاص الذي هو اسم له ، واكتف بالمعرفة الجملية ، إلى أن يتبين لك في غير هذا الوقت . . . « 1 » . وقال بعض العلماء : والذي يتبين لي في انتفاء علم الصديق والفاروق بمدلول لفظ الأب ، وهما من خلص العرب لأحد سببين : إما لأن هذا اللفظ كان قد تنوسى من استعمالهم ، فأحياه القرآن لرعاية الفاصلة ، فإن الكلمة قد تشتهر في بعض القبائل أو في بعض الأزمان وتنسى في بعضها ، مثل اسم السكين عند الأوس والخزرج . فقد قال أنس بن مالك : ما كنا نقول إلا المدية ، حتى سمعت قول
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 705 .